حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

430

التمييز

وفي عبادة الحج الحثّ على تذكر الموت والخروج بالأكفان وهو كاشف رأسه من القبور والوقوف والطّواف في صورة مسكنة طالبا للرّحمة نازلا عن كلّ جبروت وعزّ ، والدّنيا جسر من عبره / 211 أ / باعتبار أفضى إلى قرار ، ومن عبره باغترار أفضى إلى دمار . وللإنسان سعادات أتيحت له وهي النّعم المذكورة في قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها « 1 » ، وجميع النّعم المذكورة على القول المجمل بالسّعادات ضربان ؛ ضرب لا يبيد ولا يحول وهو النعم الأخروية ، وضرب يبيد ويحول وهو النّعم الدنيويّة ، والنعم الدنيوية متى لم توصلنا إلى تلك السّعادة التي لا تبيد ولا تحول فهو كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً « 2 » غرور وفتنة وعذاب ولكنّ كثيرا ما يخطئ فيظن ما ليس بسعادة في ذاته أنّه سعادة فيغترّ بها حتّى إذا جاءه الموت لم يجد منه شيئا ، شعر ( البسيط ) يقضى على المرء في أيّام محنته بأنّ يرى حسنا ما ليس بالحسن [ ورب مستحسن ما ليس بالحسن ] « 3 » ، فالنعم الدّنيوية إنّما تكون نعمة وسعادة متى تنوّل النّعم الأخرويّة وتحرّي به الوجه الذي لأجله خلق . وقد تقرّر في بديهة العقول خسّة اللّذات الجسمانية وكمال اللّذات الرّوحانيّة . وهو لأنّ جوهر النّفس لا يموت والمتلذّذ به ومعرفة اللّه لا تبطل . وأمّا اللذات الجسمانيّة إنّما تحصل حال الاشتغال بها ، وأمّا بعد لحظة فلا تبقى ولها مضارّ إذا استكثر منها فثبت أنّ الآخرة خير وأبقى ، شعر ( السريع ) نجري على الدّنيا وتحصيلها ولم ننل منها على طائل وكلّنا نطلبها عاجلا والخير والرّاحة في الأجل وقد ثبت أنّ الآلام والأسقام كلّها مكفّرة للذنوب فإن فرضنا إن بقي على المسلم بقيّة كفّرها الموت . لما جاء في الحديث « الموت كفّارة لكلّ مسلم » ، ومن

--> ( 1 ) سورة إبراهيم : آية ( 34 ) . ( 2 ) سورة النور : آية ( 39 ) . ( 3 ) زيادة من داماد إبراهيم 946 ونور عثمانية 3755 .